لأن ذلك تضييع لأيام العمر بلا فائدة، والعلم لا يقتضي ذلك، بل يقتضيه الجهل، وأكثر المتوسمين بالعلم الآن هذه مجالسهم، وهذه أوقاتهم مصروفة فيما لا يجديهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال مالك بن أبي فروة: كنا نجالس عبد الله بن أبي الهذيل، فإن جاء إنسان فألقى حديثاً من حديث الناس قال: يا عبد الله! ليس لهذا جلسنا.
وفي الحديث:"إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قيلَ وَقالَ".
ولا ينبغي لمن علم ما كره الله تعالى والنبي - صلى الله عليه وسلم - لنا أن نرتكبه، فنساوي الجاهلين.
وأنشد العسكري في"المواعظ والزواجر": من الخفيف
يَأْمَلُ الْمَرْءُ أَبْعَدَ الآمالِ ... وَهْوَ رَهْنٌ بِأَقْرَبِ الآجالِ
أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتَ يا عارِفاً بِاللَّـ ... ــــــــــهِ لِلْمُمْتَرِينَ وَالْجُهَّالِ
نَحْنُ نَلْهُو وَنَحْنُ يُحْصَى عَلَيْنا ... حَرَكاتُ الإِدْبارِ وَالإِقْبالِ
36 -ومنها: أن يكره الذم، ويحب الحمد لغير فضيلة.
واللائق بالعالم أن يستوي عنده حامِدُه وذامُّه.
روى الدارمي عن عميرة رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً قال لابنه: اذهب اطلب العلم، فخرج، فغاب عنه ما غاب، ثم جاء فحدثه بأحاديث، فقال له أبوه: يا بني! اذهب فاطلب العلم، فغاب عنه أيضاً زماناً، ثم جاء بقراطيس فيها كتب، فقرأها عليه، فقال: هذا سواد في بياض، فاذهب فاطلب العلم، فخرج فغاب عنه ما غاب، ثم جاءه فقال لأبيه: سلني عما بدا لك.
فقال له أبوه: أرأيت لو أنك مررت برجل يمدحك، ومررت برجل يغيبك؟
قال: إذاً لَمْ أَلُمِ الذي يذمُّني، ولم أحمد الذي يمدحني.
قال: أرأيت لو مررت بصحيفة من ذهب - أو قال: من ورق -؟
قال: إذا لم أهيجها، ولم أقربها.
قال: اذهب فقد علمت.
37 -ومنها: العجلة، والطيش، والتهور لاسيما إذا نُمَّ إليه.
ومن شأن العالم التأني، والحلم، والاحتمال.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [سورة الحجرات: 6] .