وذلك لأن الناس مخلوقون بغرائز، منها التحاسد والتنافس، والتقاطع والتدابر، وهي تحملهم على تسخين أجواء حياتهم إما بالتقاتل والتنازع الداخلي، وإما بالمعارك والحروب الخارجية، فكان لا بد من فترات فاصلة تذكرهم بضرورة العودة إلى التآلف والتوادد، والسلام والأمن، وردّ الظالم عن المظلوم، وهذا يحدث عادة وفي كل زمان بالمصالحات والمهادنات، وفي الماضي بفترات الأشهر الحرم، وقد نسخ ذلك، ولكن تعظيم البيت الحرام وجعله حرما آمنا ما يزال قائما. أما في الداخل فلا بد لهم من خليفة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة 2/ 30] ليحقق التناصف والعدل، ويقضي بين الخصوم، ويعاقب الجناة، وينشر السلم والأمن، ويرعى الحرمات ويدفع الخطر عن البلاد والعباد، روى ابن القاسم عن مالك: أن عثمان رضي الله عنه كان يقول: «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» .
فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمور السموات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، والله لطيف بالعباد.
الترهيب من عقاب الله والترغيب بفعل الطيب
[سورة المائدة (5) : الآيات 98 إلى 100]
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(98) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)
البلاغة:
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ أطلق اسم المصدر وأراد به التبليغ للمبالغة، فهو تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ بينهما طباق. قال الزمخشري: وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب وفاسدها، وجيد الناس ورديئهم.
المفردات اللغوية: