وعبارة الشوكاني هنا قوله: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ؛ أي: لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها، ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم فقوله: {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} في محل جر صفة لأشياء؛ أي: لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم؛ أي: ظهرت وكلفتم بها .. ساءتكم؛ نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببًا لإيجابه على السائل وعلى غيره. وقوله: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} هذه الجملة من جملة صفة أشياء، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن، وذلك مع وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهركم، ونزول الوحي عليه {تُبْدَ لَكُمْ} ؛ أي: تظهر لكم بما يجيب به لكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو ينزل به الوحي، فيكون ذلك سببًا للتكاليف الشاقة، وإيجاب ما لم يكن واجبًا، وتحريم ما لم يكن محرمًا، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. انتهت.
قال الحافظ ابن كثير: أي لا تستأنفوا السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث:"أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته"، لكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها .. بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
وخلاصة ذلك: تحريم السؤال عن الأشياء التي من شأن إبدائها أن يسوء السائلين إلا في حال واحدة، وهي: أن يكون قد نزل في شأنها شيء من القرآن فيه إجمال، وأردتم السؤال عن بيانه ليظهر لكم ظهورًا لا مراء فيه، كما في مسألة تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة.
وقال الزمخشري: أي لا تكثروا مسألة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها .. تغمكم وتشق عليكم، وتندموا على السؤال عنها. انتهى.