وقال ابن عباس في تفسير الآية: لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم؛ إما لتكليف شرعي يلزمكم، وإما لخبر يسوءكم، مثل الذي قال: أين أبي؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء ، وابتدأكم ربكم بأمر، فحينئذ إن سألتم عن بيانه بُيّن لكم وأُبدي. انتهى.
وعبارة"المراح"هنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ؛ أي: إن تظهر لكم تلك الأشياء .. تحزنكم، والمعنى: اتركوا الأمور على ظواهرها، ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم، وما بلغه الرسول إليكم فكونوا منقادين له، وما لم يبلغه إليكم فلا تسألوا عنه، فإن خضتم فيما لا يكلف عليكم، فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض ما يشق عليكم.
{وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} ؛ أي: وإن تسألوا عن أشياء مست حاجتكم إلى التفسير في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - .. ينزل جبريل بالقرآن ويظهرها حينئذ، فالسؤال على قسمين: سؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهي عنه بقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ، وسؤال عن شيء نزل به القرآن، لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي، فهاهنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فالضمير في {عَنهَا} يرجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) } . فالمراد بالإنسان آدم عليه السلام، والمراد بالضمير ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين. انتهت.
فائدة: قال الإِمام الشاطبي: الإكثار من الأسئلة مذموم، ولها مواضع نذكر منها عشرة:
أولها: السؤال عما لا ينفع في الدين؛ كسؤال بعضهم: مَنْ أبي؟
ثانيها: أن يسأل ما يزيد عن الحاجة؛ كسؤال الرجل عن الحج كل عام.
ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في وقت، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -:"ذروني ما تركتكم".