لا قدرة له بالمرأى ، فبين الله تعالى الطيب وإن استقللتموه فخير من الخبيث ، وإن استكثر قوة حتى يعجبكم كثرة ، ونبه أن الاعتبار في الأشياء ليس بالقلة والكثرة وإنما ذلك بالجودة والرداءة ، فالمحمود القليل خير من الذميم الكثير ، ولهذا قيل: أقلل وأطب.
إن قيل: كيف جعل الخبيث هاهنا كثيراً ، وقد قال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ) فجعله قليلاً ،
وقال: (قُل مَتَعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ) ؟
قيل: استكثاره للخبيث هو على نظر المغترين بالدنيا ،
واستقلاله هو على ما عليه حقيقة الأمر.
وقوله: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) ليس بخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقط بل هو خطاب لكل معتبر.
كقول الشاعر:
تَرَاهُ إذا مَاحَييتَهُ سَهْلاً ... كَأنكَ تُعْطِيهِ الذي أَنت قَائِلُهُ
ولأجل أن الخطاب عام من حيث المعنى قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) بلفظ الجمع والمعنى استعملوا التقوى راجين أن تبلغوا الفلاح ، تنبيهاً
أن التقوى هي التي تُبَلِّغ.
قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101)
البُدُوّ في القول: يقال تارة لظهوره ، وتارة يقال لظهور تأويله وحقيقته. والعفو: يقال تارة لما يفضل عن الكفاية ، كقوله: (مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفوَ)
أي ما فضل عن القوت ، وتارة يقال لترك الشيء ، قبل وجوبه كقوله عليه
الصلاة والسلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) .
وتارة يقال لترك
ما لزم فتجوفي عنه نحو (فَاعف عَنهُم وَاصفَح) ،