أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا وهكذا كان مالك بن أنس لا يقدم عليه في السؤال كثيرا وكان أصحابه يهابون ذلك قال أسد بن الفرات وقد قدم على مالك وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة فإذا أجاب يقولون قل له فإن كان كذا فأقول له فضاق علي يوما فقال لي هذه سليسلة بنت سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين وأحوالهم لايغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي وقد جاء عن عائشة أن امرأة سألتها عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة فقالت لها أحرورية أنت إنكارا عليها السؤال عن مثل هذا وقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة فقال الذي قضى عليه كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا شهق ولا استهل ومثل ذلك بطل فقال عليه الصلاة والسلام
إنما هذا من إخوان الكهان وقال ربيعة لسعيد في مسألة عقل الأصابع حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعراقي أنت فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم فقال هي السنة يا ابن أخي وهذا كاف في كراهية كثرة السؤال في الجملة
فصل
ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع أحدها السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة من أبي وروى في التفسير أنه عليه الصلاة والسلام سئل ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان فأنزل الله {يسألونك عن الأهلة} الآية فأنما أجيب بما فيه من منافع الدين
والثاني أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل عام مع أن قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقة ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}
والثالث السؤال من غير احتياج إليه في الوقت وكان هذا والله أعلم خاص بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله
ذروني ما تركتكم وقوله