هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها ، يقاس عليها ما سواها ، وليس النهي فيها واحداً ، بل فيها ما تشتدّ كراهيته ، ومنها ما يخفّ ، ومنها ما يحرم ، ومنها يكون محلّ اجتهاد . وعلى جملة ، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: أن المراء في القرآن كفر . وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} [الأنعام: 68] الآية . وأشباه ذلك من الآي والأحاديث ... فالسؤال في مثل ذلك منهيّ عنه ، والجواب بحسبه . انتهى كلامه .
التنبيه الرابع:
قال بعض المفسّرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة) . لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] . وقال صلى الله عليه وسلم: ( قاتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا . فإنما شفاء العيّ السؤال . . ) انتهى .
ولا يخفى أن الآية بقيدها - أعني: {إِن تُبْدَ} . . الخ - غنية عن أن تقيّد بقيد آخر كما ذكره البعض . لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به - كما أسلفنا - مما هو خوض في الفضول ، وشروع فيما لا حاجة إليه . وفيه خطر المفسدة . والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة ، يجب على العاقل الاحتراز عنه .
وأما ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية - كما يتضح من نظمها الكريم - مع ما بيّنته السنة في سبب النزول ، وتحرج الصحابة عن المسائل المارّ بيانه - معلومٌ أنه فيما لا ضرورة إليها . وإلاَّ فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة ، مما يبيّن أن هذه الآية في موضوع خاص .
وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره فتح باب كثرة المسائل ، خشية أن تفضي إلى حرج أو مسادة أو تعنّت . .