الخامسة قوله تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ} فيه غموض ، وذلك أن في أوّل الآية النهي عن السؤال ، ثم قال: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ} فأباحه لهم ؛ فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه ، فحذف المضاف ، ولا يصح حمله على غير الحذف.
قال الجُرْجاني: الكناية في"عنها"ترجع إلى أشياء أخر ؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} يعني آدم ، ثم قال: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} [المؤمنون: 13] أي ابن آدم ؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين ، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دلّ على إنسان مثله ، وعُرف ذلك بقرينة الحال ؛ فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين يُنزَّل القرآن من تحليل أو تحريم أو حُكْم ، أو مسّت حاجتكم إلى التفسير ، فإذا سألتم فحينئذٍ تُبد لكم ؛ فقد أباح هذا النوع من السؤال: ومثاله أنه بيّن عِدّة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ، ولم يجر ذكر عِدّةِ التي ليست بذات قُرء ولا حامل ، فسألوا عنها فنزل {واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض} [الطلاق: 4] .
فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه ؛ فأما ما مسّت الحاجة إليه فلا.
السادسة قوله تعالى: {عَفَا الله عَنْهَا} أي عن المسئلة التي سلفت منهم.
وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها.
وقيل: العفو بمعنى الترك ؛ أي تركها ولم يُعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم.
وكان عُبيد بن عُمير يقول: إن الله أحل وحرّم فما أحلّ فاستحلوه ، وما حرّم فاجتنبوه ، وترك بين ذلك أشياء لم يحلّلها ولم يحرمها ، فذلك عفو من الله ، ثم يتلو هذه الآية.