قلت: قوله اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح ، وإنما كان الأولى به أن يقول: ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل ، لكنه جرى على عادته ، وإنما قلنا كان أولى به ؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن ؛ ذكره الدَّارِمي في مسنده ؛ وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان حدّث فيه بالذي يَعلم ، وإن قالوا: لم يكن قال فذروه حتى يكون.
وأسند عن عَمَار بن يَاسِر وقد سئل عن مسئلة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا ؛ قال: دعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشَّمناها لكم.
قال الدَّارِمي: حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، قال حدثنا ابن فُضَيل عن عطاء عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسئلة حتى قُبض ، كلهن في القرآن ؛ منهن {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام} [البقرة: 217] ، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المحيض} [البقرة: 222] وشبهه ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم.
الرابعة قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يُخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله ، فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونَفى الجهل عن نفسه ، باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه ، فلا بأس به ، فشفاء العِي السؤال ؛ ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ؛ قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة ، وإيضاح سُبُل النظر ، وتحصيل مقدّمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد ؛ فإذا عرضت نازلة أُتيت من بابها ، ونُشدت في مظانها ، والله يفتح في صوابها.