{وَ} لتجدن أيضًا أشدهم عداوة للذين آمنوا {الَّذِينَ أَشْرَكُوا} ؛ أي: المشركين من أهل مكة عبدة الأوثان، الذين اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، وأشد ما لاقى النبي - صلى الله عليه وسلم - من العداوة والإيذاء كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب ولا سيما مكة وما قرب منها، وقد كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت عداوتهم الشديدة للمؤمنين، كالكبر والعتو، والبغي وغلبة الحياة المادية، والأثرة والقسوة، وضعف عاطفة الحنان والرحمة، والعصبية الجنسية، والحمية القوية، ولكن مشركي العرب - على جاهليتهم - كانوا أرق من الحهود قلوبًا، وأعظم سخاءً وإيثارًا، وأكثر حرية في الفكر واستقلالًا في الرأي. وقدَّم سبحانه ذكر اليهود؛ للإشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به فضلًا عما امتازوا به من قتل بعض الأنبياء، وإيذاء بعض آخر، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل، ولم يكن ميلهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس قبل هذه الواقعة العصرية إلا ميلًا وراء مصلحتهم الخاصة؛ إذ هم تفيؤوا ظلال عدلهم، واستراحوا به من اضطهاد النصارى في تلك البلاد. و {لتَجِدَنَّ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لتجدن يا محمد {أَقْرَبَهُمْ} ؛ أي: أقرب الناس {مَوَدَّةً} ؛ أي: محبة وميلًا {لِلَّذِينَ آمَنُوا} بك وصدقوك {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ؛ أي: أنصار دين الله، وموادون لأهل الحق، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى من نصارى الحبشة أحسن المودة؛ بحماية المهاجرين الذين أرسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الإِسلام من مكة إلى الحبشة خوفًا عليهم من مشركيها، الذين كانوا يؤذونهم أشد الإيذاء ليفتنوهم عن دينهم.