إذن ف (من) في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً} للتبعيض أي أكلوا بعض ما رزقكم الله ، فإن كانت الأشياء مما يكون بقاؤها سبباً لامتداد نوعها فالنوع يكون متصلاً . مثال ذلك رجل عنده بذور البطيخ وزرعها ، وبعد أن جاءت الثمار أكلها هي والبذور فمن أين يزرع في العام القادم؟ كان يجب أن يحتفظ ببعض منها لتكون بذوراً . وكان يجب أن يحتفظ بجزء من البطيخ ليعطي منه الجار أو المحتاج؟
إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} تصلح لاستبقاء النوع وتصلح لصرف الزائد إلى غير القادر . {واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي أنك حين تتقى من تؤمن به إلهاً فليس في ذلك غضاضة ؛ لأنك آمنت أنه إله وقوي ، والغضاضة في أن تأمر بأمر مُساوٍ لك ، أما الانقياد والائتمار لأمر الأعلى منك ، فهذا لا يكون سبباً في الغضاضة إنما هو تشريف لك وتكريم .
ونجد الحق يشرع لنا ذلك في قصة سيدنا موسى على السحرة ، فألقى موسى عليه السلام عصاه ، ورآها السحرة حية ، والساحر ينظر إلى الشيء الذي تم سحره فيراه على حقيقته وصورته الأصلية ، أما المسحورون بالرؤية فهم الذين يرون الشكل المراد لهم رؤيته . ورأى السحرة حبالهم مجرد حبال ؛ وعصا موسى هي التي صارت حية .
هنا عرفوا أنها مسألة أخرى فماذا قالوا؟: {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين * رَبِّ موسى وَهَارُونَ} [الشعراء: 47 - 48] .
لقد عرفوا أن هذا أمر خارج عن نطاق البشرية . إذن فما كان من أمر السحرة تجاه قوم فرعون هو تخييل للنظر: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66] .
وقال الحق: {سحروا أَعْيُنَ الناس} [الأعراف: 116] .