إذن فلا ضرورة أن يكون الرائي مؤمنا ولا صالحاً . وقد يقول قائل: كيف يطلعه الله على مثل هذه المسائل؟ ونقول: قد تكون الرؤيا إكراماً للرائي ، وقد تكون الرؤيا إكراماً للمعبر الذي يعرف التأويل ، وهي هنا إكرام للمعبر وهو سيدنا يوسف . وعرف سيدنا يوسف كيف يفك"شفرة"الرؤيا ، والعجيب في الرؤيا أن البقر الهزيل يأكل البقر السمين: وهنا قال يوسف: {تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47] .
أي كلوا البعض وليكن قليلا قليلا ، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن سنين الجدب لتأكلوا فيها ما جمعتوه في سنين الخصب ، اتركوا البعض الآخر . لاستمرار النوع . وتبين أن أفضل وسيلة لحفظ حبوب القمح في عصرنا هي أن نتركه في سنابله وكذلك الذرة نتركها في غلافها . وكان تعبير الرؤيا دقيقاً لأنه يريد أن يستبقي للناس حياتهم في زمن الجدب ، ويستبقي لهم كذلك الضرع الحيواني ، فتأكل الناس الحب ، وتأكل الماشية التبن المتبقي ، وكذلك ضمن الحق مقومات الحياة لكل ما يلزم للحياة . ونلحظ أن المأكول في هذه الآية هو القليل ، أما الباقي فهو الكثير في سنابله ، هذا في أيام الرخاء ؛ فماذا عن أيام الجدب؟ {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] .
أي أن الناس ستأكل في أعوام الجدب الكثير من الحبوب التي في المخازن ويجب أن يحتفظوا بقليل مما يحصنون في هذه المخازن ، وذلك لاستبقاء جزء من القمح للزراعة .