وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءوهم بما يخالف هواهم، ويتعارض مع أنانيتهم وشرههم ومطامعهم الباطلة.
وهكذا الأمم عند ما تفسد عقولها وتسيطر عليها الأطماع والشهوات، ترى الحسن قبيحا، وتحارب من يهديها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها.
وقدم - سبحانه - المفعول به في قوله فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ للاهتمام بتفصيل أحوال بني إسرائيل السيئة، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم.
وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال: فَرِيقاً كَذَّبُوا وعن القتل بالفعل المضارع فقال: وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ لحكاية الحال الماضية التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم، ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة في الحال، وفي ذلك ما فيه من النعي عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التي بلغت نهاية الشناعة والقبح.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع ما فعلوه مع رسلهم من التكذيب والقتل لم ينزجروا، ولم يندموا ... بلغ بهم الغرور والسفه أنهم ظنوا أن ما فعلوه شيء هين وأنه لن يكون له أثر سئ في حياتهم. فقال - تعالى - وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ.
وقوله: وَحَسِبُوا معطوف على قوله كَذَّبُوا وهو من الحسبان بمعنى الظن: وقوله:
فِتْنَةٌ من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لتظهر جودته. والمراد بها هنا: الشدائد والمحن والمصائب التي تنزل بالناس.
وقوله: فَعَمُوا وَصَمُّوا من العمى الذي هو ضد الإبصار، ومن الصمم الذي هو ضد السمع. وقد استعير هنا للإعراض عن دلائل الهدى والرشاد التي جاء بها الرسل.