وقوله تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} ، أي بعد تبيّن الحق لهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عمي كثير منهم، خص الله تعالى بعضهم بالفعل الآخر من العمى والصمم، إذ لم يكونوا أجمعوا على خلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وارتفع {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} بإضمار فعل مقدر يدل عليه: {عَمُوا وَصَمُّوا} ، كأنه قيل: عمي وصم كثير منهم. قاله الفراء وابن الأنباري. وأجازاهما والزجاج أيضًا أن يكون جمع الفعل متقدمًا، كما حكي عن العرب أكلوني البراغيث.
وذكر الزجاج وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} بدلاً من الواو، كأنه لما قال: {عَمُوا وَصَمُّوا} أبدل الكثير منهم، والثاني أن يكون {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} خبر ابتداء محذوف، والمعنى: والعمي والصم كثير منهم.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} ، أي: من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، قاله مقاتل.
73 -قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} ، (قال الفراء: {ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} ) لا يكون إلا مضافًا, ولا يجوز التنوين في (ثالث) فتنصب الثلاثة، وكذلك قوله: (ثاني اثنين) لا يكون (اثنين إلا) مضافًا, لأن المعنى مذهب اسم، كأنك قلت: واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، ولو قلت: أنت ثالث اثنين، جاز الإضافة وجاز التنوين ونصب الاثنين، وكذلك: رابعُ ثلاثةٍ، ورابعٌ ثلاثةً؛ لأنه فعل واقع.
وزاد أبو إسحاق لهذا بيانًا فقال: لا يجوز في (ثلاثةٍ) إلا الخفض؛ لأن المعنى: أحد ثلاثة، فإن قلت: زيد ثالث اثنين، أو: رابع ثلاثة، جاز الخفض والنصب، أما النصب فعلى قولك: كان القوم ثلاثة فربعتهم وأنا رابعهم غدًا، ومن خفض فعلى حذف التنوين، كما قال الله عز وجل: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، وذكرنا هذه المسألة مشروحة عند قوله تعالى: {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] .