وإذا نحن اعتبرنا كلمة الله هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم يكن لنا أن نحسب حساباً لأثر المواجهة لأهل الكتاب بهذه الحقيقة ، في هياجهم علينا ، وفي اشتداد حربهم لنا ، ولم يكن لنا أن نحاول كسب مودتهم بالاعتراف لهم بأنهم على دين نرضاه منهم ونقرهم عليه ، ونتناصر نحن وإياهم لدفع الإلحاد عنه - كما ندفع الإلحاد عن ديننا الذي هو الدين الوحيد الذي يقبله الله من الناس.
إن الله - سبحانه - لا يوجهنا هذا التوجيه. ولا يقبل منا هذا الاعتراف. ولا يغفر لنا هذا التناصر ، ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه. لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما يقرر ؛ ونختار في أمرنا غير ما يختار ؛ ونعترف بعقائد محرفة أنها"دين"إلهي ، يجتمع معنا في آصرة الدين الإلهي.. والله يقول: إنهم ليسوا على شيء ، حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم.. وهم لا يفعلون!
والذين يقولون: إنهم مسلمون - ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم - هم كأهل الكتاب هؤلاء ، ليسوا على شيء كذلك. فهذه كلمة الله عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء. والذي يريد أن يكون مسلماً يجب عليه - بعد إقامة كتاب الله في نفسه وفي حياته - أن يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه. وأن دعواهم أنهم على دين ، يردها عليهم رب الدين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة ؛ ودعوتهم إلى"الإسلام"من جديد هي واجب"المسلم"الذي أقام كتاب الله في نفسه وفي حياته. فدعوى الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاماً ، ولا تحقق إيماناً ، ولا تعطي صاحبها صفة التدين بدين الله ، في أي ملة ، وفي أي زمان!
وبعد أن يستجيب هؤلاء أو أولئك ؛ ويقيموا كتاب الله في حياتهم ؛ يملك"المسلم"أن يتناصر معهم في دفع غائلة الإلحاد والملحدين ، عن"الدين"وعن"المتدينين".. فأما قبل ذلك فهو عبث ؛ وهو تمييع ، يقوم به خادع أو مخدوع!