أَي: فيصبح هؤُلاء المنافقون - بعد أَن جاء فتح الله ونصره لرسوله - على ما حدثوا به أنفسهم وكتموه في صدورهم، من الكفر والشك في أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، آسفين متحسرين بعد أَن تبين لهم أَنهم كانوا - فيما فعلوه - مخطئين.
وترتيب الندم على ما أَسرُّوه من الكفر - دون ما أَظهروه من الموالاة - لأَن ما أبطنوه، كان السببَ الذي حملهم على إِظهار الموالاة وأَغراهم بها، فكان الندم على ما أَبطنوه، طريق أَسفهم على ما أَظهروه.
53 - (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ .... ) الآية.
أَي: ويقول الذين آمنوا - مخاطبين اليهود على سبيل التقريع والتوبيخ - بعد ما هزموا ودارت الدائرة عليهم مشيرين إلى المنافقين بهذا الاستفهام: استهزاءً بهم وإِنكارا لصنيعهم واستبعادا له.
(أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) :
أَهؤُلاءِ هم الذين حلفوا لكم باللهِ: مغلظين الأَيمان، مجتهدين فيها؛ إنهم ليكونون معكم بالعون والنصر على محمَّد إذا قاتلتموه؟
(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ) :
أَي بطُلت أَعمال هؤُلاء، وفسدت وذهبت سدى، فكانت عاقبة أَمرهم: خُسْرا في الدنيا، إِذ لم تقم للكافرِين دولة فينتفعوا بثمار مساعدتهم، وأَجر موالاتهم. وخُسْرا في الآخرة؛ أَي حُرِموا ثوابَ الإِيمان بالله، والإِخلاصَ في طاعته.
وفيه عن التقريع لليهود، والاستهزاءِ بالمنافقين ما لا يخفى.
ونظير هذا قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ".