قال شهاب الدين: وليْسَ في هاتين الآيتين الكَرِيمتين ما يَرُدُّ قول هذا القَائِل، أمَّا هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى:"يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَه"جملة اعتراض، لأنَّ فيها تأكيداً وتَشدِيداً للكلام.
وجملة الاعْتِرَاض تقع بين الصِّفة ومَوْصُوفها، كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 76] ف"عَظِيم"صفة لـ"قَسَم"، وقد فصل بينهما بقوله:"لَوْ تَعْلَمُون"، فكذلك فصل هنا بين"بِقَوْم"، وبين صفتهم وهي"أذِلَّة - أعِزَّة"بقوله:"يُحِبُّهم ويُحِبُّونه"، فعلى هذا لا يكون لها مَحَلٌّ من الإعراب.
وأمَّا {وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام: 155] فلا نسلّم أن"مباركٌ"صفة، ويجوز أن يكون [خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مُبارك] ولو استدلَّ على ذلك بآيتين غير هاتَيْن لكان أقْوى، وهما قوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] ، {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ} [الشعراء: 5] فقدَّم الوصف بالجار على الوَصْفِ بالصَّرِيح، وكذا يحتمل أن يُقَال: لا نسلِّم أن"مِنْ رَبِّهم"و"مِنَ الرَّحْمن"صفتان لجواز أن يكونا حاليْنِ مُقدَّمين من الضَّمِير المسْتَتِر في"مُحْدَث"أي: مُحَدث إنزالهُ حال كَوْنه من رَبِّهِم.
و"أذلَّة"جمع ذَلِيل بمعنى متعطّف؛ ولا يُرَادُ به الذليل الذي هو ضعيف خَاضِعٌ مُهَان: ولا يجوز أن يكُون جمع"ذَلُول"؛ لأن ذَلُولاً يجمع على"ذُلُل"لا على أذِلَّة، وإن كان كلام بَعْضِهِم يوهِمُ ذلك.
قال الزَّمَخْشَرِي: ومن زَعَم أنَّه من"الذُّل"الذي هو نَقِيضُ الصُّعُوبة، فقد غَبِيَ عن أن"ذَلُولاً"لا يُجْمَع على"أذِلَّة".