والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين بل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا المعني الذي قصده الناصح لقومه بقوله {يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إنما هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} فأخبرهم إن الدنيا متاع ليستمتع بها إلى غيرها وأن الآخرة هي المستقر.
وإذا عرفت أن لذات الدنيا متاع وسبيل إلى لذات الآخرة ولذلك خلقت الدنيا لذاتها فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها بل يحمد لحسب إيصالها إلى لذة الآخرة.
إذا عرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والقرب منه كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية"فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه"وفي حديث آخر"إنه إذا تجلي لهم ورأوه نسوا ما هم فيه من النعيم"
وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه"وأسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك".
وفي كتاب السنة العبد الله بن الإمام أحمد مرفوعا"كأن الناس يوم القيمة لم يسمعوا القرآن من الرحمن فإذا سمعوه من الرحمن فكأنهم لم يسمعوا قبل ذلك".