والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه أشرقت لنور وجهه الظلمات استنارت له الأرض والسماوات وصلحت عليه جميع المخلوقات لا ينام ولا ينبغي له إن ينام يحفظ القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه بالنور لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
ما اعتاض باذل حبه لسواه من عوض ولو ملك الوجود بأسره وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين:
أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وإنه أولي بإيثار المحبة من كل ما سواه.
والأمر الثاني: كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء .
وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته فكل ما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحب أكمل فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.
وإذا عرفت هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه بل هو مقصود كل حي وعاقل وإذا كانت لذة مطلوب في نفسها فهي تذم إذا أعقبت ألم أعظم منها. أو منعت لذة خيرا منها وأجل فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الآية وقال السحرة لفرعون لما آمنوا {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إنما تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عليهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .