وقاله ابن عباس ومجاهد وعِكرمة والزُّهري وعمر بن عبدالعزيز والسُّدي ؛ وهو الصحيح من قول الشافعي ؛ قال في كتاب الجزية: ولا خيار له إذا تحاكموا إليه ؛ لقوله عز وجل: {حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] قال النحاس: وهذا من أصح الاحتجاجات ؛ لأنه إذا كان معنى قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردّوا إلى أحكامهم ؛ فإذا وجب هذا فالآية منسوخة.
وهو أيضاً قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد ، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم ، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم.
وقال الباقون: يحكم ؛ فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس ؛ ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة ؛ لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب أذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم ، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة ، وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركاً فرضاً ، فاعلاً ما لا يحل له ولا يسعه.
قال النحاس: ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر ؛ منهم من يقول: على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حداً من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ} يحتمل أمرين: أحدهما وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك.
والآخر وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك إذا علمت ذلك منهم قالوا: فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا ؛ فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَآءِ للَّهِ} [النساء: 135] .