وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا ، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم ، وليس كذلك الديون والمعاملات ؛ لأن فيها وجهاً من المظالم وقطع الفساد.
والله أعلم.
وفي الآية قول ثان: وهو ما روي عن عمر بن عبدالعزيز والنَّخَعي أيضاً أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} [المائدة: 49] وأن على الحاكم أن يحكم بينهم ؛ وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم.
وروى عن عِكرمة أنه قال: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها آية أُخرى: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} .
وقال مجاهد: لم يُنسَخ من"المائدة"إلا آيتان ؛ قوله: {فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} ؛ وقوله: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله} [المائدة: 2] نسختها {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5] وقال الزُّهْري: مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله.
قال السَّمَرْقَنْدي: وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة أنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا.
وقال النحاس في"الناسخ والمنسوخ"له قوله تعالى: {فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} منسوخ ؛ لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير ، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردّوا إلى أحكامهم ، فلما قوى الإسلام أنزل الله عز وجل {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله} .