الثَّانِي: حَكَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ بِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَهَادَةِ الْيَهُودِ ، إذْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا ، وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْحَقِّ فِي الدَّلِيلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ؛ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّالِثُ: إنَّمَا حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ ، وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ الْيَوْمَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: فِي الْمُخْتَارِ: أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَسَأَلُوهُ عَنْ أَمْرِهِمْ ، فَفِي هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِيهِ: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ جَاءُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ {فَإِنْ جَاءُوكَ} .
ثُمَّ خَيَّرَهُ فَقَالَ: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} .
ثُمَّ قَالَ لَهُ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَالْقِسْطُ هُوَ الْعَدْلُ ، وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ شُهُودٌ مِنَّا عُدُولٌ ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْكُفَّارِ عَدْلٌ ، كَمَا تَقَدَّمَ.