والحق يقول هنا: {يا أَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر} . أي لا تحزن يا رسول الله من الذين يسارعون في الكفر . وحين يخاطب الحق رسوله في ألا يحزن ، علينا أن نعرف على ماذا يكون الحزن؟ سبحانه يوضح لرسوله: إياك أن تحزن لأني معك فلن ينالك شر خصومك ولا يمكن أن أختارك رسولاً وأخْذُلَك ، إنهم لن ينالوا منك شيئاً .
وقد يكون حزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً من لون آخر ، اسمه الحزن المُتَسَامِي الذي قال فيه الحق: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً} [الكهف: 6]
لأن الحق لو شاء أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على الكفر . {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]
وهل الله يريد أعناقا؟ لا . بل يريد قلوباً ؛ لأن سيطرة القُدرة بإمكانها أن تفعل ما تريد ، بدليل أن السماء والأرض والجبال وكل الكائنات أتت للخالق طائعة . فلا يمكن أن يتأبّى الكون على خالقه . والقدرة أفادت القهر وأفادت السيطرة والعزة والغلبة في سائر الكون ، ولكن الله أحَب أن يأتي عبده - وهو السيد - للإيمان مختاراً ؛ لأن الإيمان الأول هو إيمان القهر والقدرة ، ولكن الإيمان الثاني هو إيمان المحبة .