فنفى عنه الضلال، الذي هو عذاب القلب والروح، والشقاء الذي هو عذاب البدن والروح أيضا، فهو منعم القلب والبدن بالهدى والفلاح، ومنه قول امرأة العزيز عن يوسف عليه السلام لما أرته النسوة اللائمات لها في حبه: {فَذلِكُنَّ الَّذِي لمُتُنَّنِي فِيه} [يوسف: 32] فأرتهن جماله الظاهر. ثم قالت: {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] .
فأخبرت عن جماله الباطن بعفته، فأخبرتهن بجمال باطنه، وأرتهن جمال ظاهره. فنبه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بقوله:"اللهُمَّ طَهِّرْني مِنْ خطَايَايَ بِالمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ".
على شدة حاجة البدن والقلب إلى ما يطهرهما ويبردهما ويقويهما، وتضمن دعاؤه سؤال هذا وهذا، والله تعالى أعلم.
وقريب من هذا: أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:"كان إِذَا خَرَجَ مِنَ الخلاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ".
وفى هذا من السر والله أعلم، أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، والذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، فحمد الله عند خروجه على خلاصه من هذا المؤذي لبدنه، وخفة البدن وراحته، وسأل أن يخلصه من المؤذي الآخر ويريح قلبه منه ويخففه.
وأسرار كلماته وأدعيته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فوق ما يخطر بالبال.
فإن قيل فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب أضدادها أم إلى مشيئته لوقوعها؟
قيل القرآن قد نطق بهذا وبهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}
وقال: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} : {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ} .
(فصل) وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته فكما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}
وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا}
وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده كما أن مشيئته تستلزم وجوده فما شاء الله وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده وقد أخبر سبحانه أن العباد لا يشاءون إلا بعد مشيئته ولا يفعلون شيئا إلا بعد مشيئته فقال: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه} وقال: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} .