والمقام الثاني: دون الأول، وإليه الإشارة بقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ والفلاح: اسم جامع للخلاص عن المكروه والفوز بالمحبوب.
أما قوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ فقد استدل به بعض الناس على مشروعية الاستغاثة أو التوسل بالصالحين، وجعلهم وسيلة بين الله تعالى وبين العباد.
وتحقيق القول في التوسل ما يأتي معتمدا على تفسير الألوسي:
أولا- التوسل بمعنى التقرب إلى الله بطاعته وفعل ما يرضيه، وهو المراد بالآية: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ: هو أساس الدين وفرض الإسلام.
وعلى هذا يحمل توسل أهل الصخرة الثلاثة، فإنهم توسلوا إلى الله عز وجل بصالح الأعمال، أي طلبوا الفرج بصلاح أعمالهم، ولا شك أن الأعمال الصالحة سبب لثواب الله تعالى لنا، ولم يتوسلوا بذوات الأشخاص.
ثانيا- التوسل بالمخلوق والاستغاثة به بمعنى طلب الدعاء منه، لا شك في
جوازه إن كان المطلوب منه حيا، فقد صح
أنه صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر رضي الله عنه لما استأذنه في العمرة: «لا تنسانا يا أخي من دعائك» وأمره أيضا أن يطلب من أويس القرني رحمه الله أن يستغفر له، وأمر أمته صلّى الله عليه وسلّم بطلب الوسيلة له كما تقدم: «فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة» .
وثبت أن عمر رضي الله عنه قال في الاستسقاء: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا، توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» أي بدعائه وشفاعته، لا بذاته وشخصه.
وأما إذا كان المطلوب منه الدعاء ميتا أو غائبا فغير جائز، قال الألوسي:
فلا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من السلف، نعم السلام على أهل القبور مشروع ومخاطبتهم جائزة، فقد صح
أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يعلّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله تعالى بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم» .
ولم يرد عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم- وهم أحرص الخلق على خير- أنه طلب من ميت شيئا.