إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها ، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل. ذلك أنهم أمام الخطر ؛ فلا بقية إذن من تجمل ؛ ولا محاولة إذن للتشجع ، ولا مجال كذلك للتمحل. إن الخطر ماثل قريب ؛ ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض ، وأن الله قد كتبها لهم - فهم يريدونه نصراً رخيصاً ، لا ثمن له ، ولا جهد فيه. نصراً مريحاً يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى!
{إن فيها قوماً جبارين.. وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.. فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} ..
ولكن تكاليف النصر ليست هكذا كما تريدها يهود! وهي فارغة القلوب من الإيمان!
{قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} .
هنا تبرز قيمة الإيمان بالله ، والخوف منه.
فهذان رجلان من الذين يخافون الله ، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة ؛ وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس. فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين: مخافته - جل جلاله - ومخافة الناس.. والذي يخاف الله لا يخاف أحداً بعده ؛ ولا يخاف شيئاً سواه..
{ادخلوا عليهم الباب. فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} ..
قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب.. أقدموا واقتحموا. فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم ؛ وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم..
{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ..
فعلى الله - وحده - يتوكل المؤمن. وهذه هي خاصية الإيمان وعلامته ؛ وهذا هو منطق الإيمان ومقتضاه.. ولكن لمن يقولان هذا الكلام؟ لبني إسرائيل؟!
{قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا. إنا ها هنا قاعدون} ..