ومن هنا اقتضت حكمة الله تشريع الحدود الرادعة عن ارتكاب الجرائم، وإقامة السلطة التي تقوم بتنفيذها، وتتولى مطاردة المجرمين، وحماية الأرواح والأموال والطرق، من اعتداء المعتدين حتى لا يعكروا صفو الحياة على بقية الناس الآمنين.
وهذا هو السر في قوله تعالى عقب الانتهاء من قصة ابني آدم مباشرة: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} .
وذكر بني إسرائيل في هذه الآية بالخصوص إنما هو لمناسبة السياق الذي وردت فيه، فقد كان الحديث قبل قصة آدم يدور حول قصة موسى وقومه بخصوص الأرض المقدسة والتيه الطويل الذي عوقبوا به، وإلا فكما كتب الله القصاص على بني إسرائيل كتبه على من قبلهم وعلى من بعدهم، وإن كان بنو إسرائيل لم يتراجعوا بذلك كله عن سفك الدماء {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} .
وقوله تعالى: {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} إشارة إلى أن الحياة التي وهبها الله للإنسان إلى أجل مسمى في هذه الدنيا هي حق
مقدس منحه الله لعباده، فلا يسوغ لغيره الوقوف في وجه هذا الحق المطلق، وإذن فمن اعتدى على حياة فرد يعتبر معتديا - من جهة المبدأ - على حياة كل الأفراد، والذي استباح لنفسه العدوان على حياة فرد بعينه أصبح في حل أمام نفسه من كل القيود التي تحول دون اعتدائه على الباقين، إذ لا فرق بين حياة عمرو وحياة زيد بالنسبة لطبيعة الحياة فيهما، ولا بالنسبة لواهب الحياة لهما.
ولهذه الاعتبارات يكون الذي حال دون الاعتداء على حياة فرد من الأفراد، أو اقتص من المعتدي عليها -ردعا له وحماية للباقين - كأنما أحيا أولئك الأفراد جميعا {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} .