وتشير قصة ابني آدم في نفس السياق إلى أن الأخ الحسود القاتل قد ارتبك بعد قتله لأخيه ولم يعرف ماذا يفعل به، إلى أن رأى غرابا يواري تحت التراب غرابا آخر قد مات، فأقبل على أخيه يواريه في التراب، وذلك قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} .
فهذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تصف لنا نموذجين من البشر تمكنت من أحدهما روح الاعتداء، كما تمكنت روح الطيبوبة من الآخر، وهما وجها لوجه، دون رادع يردع الأول من الثاني:
النموذج الأول: نموذج الإنسان النزاع إلى الشر، الميال إلى العدوان، المصر على الأذى، المتعدي للحدود.
النموذج الثاني: نموذج الإنسان النزاع للخير، الميال إلى الإنصاف، الحريص على الإحسان، المتمسك بالتقوى.
وتبين لنا نفس القصة أنه عندما واجه كل واحد منهما الآخر
بمفردهما ولم يتدخل بينهما عنصر ثالث، ليردع الإنسان الشرير، ويحول بينه وبين الاعتداء على الإنسان الخير، كان عنصر الخير هو الضحية والفريسة لعنصر الشر، ولم تنفع تقوى المتقي أمام عدوان المعتدي.