والثالثة: أن الذي يرتكب الخطيئة، أو الإثم، ثم يرمي به الأبرياء، فقد اجتمع عليه ذنبان، ذنب البهتان، وإثمه الأصلي. وإذ تتقرر هذه الحقائق الثلاث المرتبطة بموضوع عدم الدفاع عن الخائنين، يبين الله - عزّ وجل - أن بقاء الإنسان على الحق، وعدم تبنيه للدفاع عن الخائنين، لا يكون إلا بتوفيق من الله، خاصة مع وجود الراغبين في
الإضلال، الذين لا يضلون إلا أنفسهم ولا يضرون غيرها. ثم يذكر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بنعمته عليه بإنزال الكتاب عليه، وتعليمه الحكمة، وتعليمه ما كان يجهله، وهذا يدل على عظم ما خص الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، من الفضل العظيم، الذي من مقتضيات
شكره، الوقوف على الحق، وترك الدفاع عن الباطل وأهله. والصلة واضحة بين بداية المجموعة المطالبة بالحكم بالقرآن، والنهي عن الجدال عن الخائنين، وبين نهايتها المتحدثة عن نعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بتعليم القرآن.
وفي إطار السورة، وفي سياق هذا المقطع الذي يبين صورا من العدل والحق، في إطار العبادة والتقوى، يحدد الله - عزّ وجل - إطار الخير في أحاديث الناس بعضهم مع بعض، وهو مظهر من مظاهر العبادة والتقوى عظيم. فبين أن الحديث الخير هو ما كان أمرا بصدقة، أو أمرا بمعروف: وهو الحق والعدل، أو كان إصلاحا بين الناس. ثم بين الله أن من يفعل ذلك، مبتغيا وجه الله، مخلصا لله فيه، فإن له أجره العظيم عند الله.