وقَوْله تَعَالَى: {إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} أَمْرٌ لَنَا بِأَنْ لَا نَنْظُرَ إلَى فَقْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إشْفَاقًا مِنَّا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِحُسْنِ النَّظَرِ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَأَعْلَمُ بِمَصَالِحِ الْجَمِيعِ ، فَعَلَيْكُمْ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِمَا عِنْدَكُمْ.
وقَوْله تَعَالَى: {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} يَعْنِي لَا تَتْرُكُوا الْعَدْلَ اتِّبَاعًا لِلْهَوَى
وَالْمَيْلِ إلَى الْأَقْرِبَاءِ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى: {إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى} وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِفَقْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ إقَامَتِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَحْبِسَهُ الْقَاضِي لِفَقْدِ عِلْمِهِ بِعَدَمِهِ.
وقَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّهُ فِي الْقَاضِي يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ فَيَكُونُ لَيُّهُ وَإِعْرَاضُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا".
وَاللَّيُّ هُوَ الدَّفْعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ} ، يَعْنِي مَطْلَهُ وَدَفْعَ الطَّالِبِ عَنْ حَقِّهِ.