ومشهور مذهب المالكية: أن القصر سنة، وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه رخصة يخير فيها المسافر بين القصر والإتمام، وهو الظاهر من قوله تعالى:
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. وأيهما أفضل؟ الصحيح في مذهب مالك التّخيير للمسافر بين الإتمام والقصر، وأما مالك رحمه الله فيستحب له القصر، ويرى عليه الإعادة في الوقت إن أتمّ، والقصر أفضل من الإتمام مطلقا
عند الحنابلة لأن النّبي صلّى الله عليه وسلّم داوم عليه. وهو عند الشافعية أفضل من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية تقدر ب 96 كم، اتّباعا للسّنة، وخروجا من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة.
والسفر المبيح للقصر: هو السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا، وهو عند الحنفية بمقدار ثلاثة أيام تقدر ب 96 كم، عملا بقول عثمان وابن مسعود وحذيفة، وبالأدلّة السابقة. وعند الجمهور: بمقدار ثمانية وأربعين ميلا هاشمية أو مرحلتين وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين أو ليلتين بلا يوم معتدلتين، أو أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا لأن ابن عمر وابن عباس كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، تقدر ب 89 كم.
وأجمع الناس على جواز القصر في الجهاد والحج والعمرة ونحوها من صلة رحم وإحياء نفس، واختلفوا فيما سوى ذلك.
فالجمهور: على جواز القصر في السفر المباح كالتّجارة ونحوها لقول ابن مسعود: لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد، ولا قصر في سفر المعصية، كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما.
وأباح أبو حنيفة والأوزاعي القصر في جميع ذلك، فيصحّ القصر ولو لعاص بسفره.
واختلفوا متى يقصر المسافر؟
فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية، وحينئذ هو ضارب في الأرض.
وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، وبه قال
عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى. ويكون معنى الآية على هذا: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض.