2 -من قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فهم الشافعي أن القصر رخصة في السفر، والإكمال عزيمة، لأن لا جناح، يستعمل في موضع التخفيف والرخصة، لا في موضع العزيمة. وقال الحنفية: القصر عزيمة غير رخصة، ويكره الإكمال كراهة تحريم؛ لما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان بإسناد صحيح عن عمر قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم» . وأما الآية فقد قال النسفي في توجيهها: فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه، اهـ.
3 -تعليق قصر الصلاة هنا على الخوف يشبه قوله تعالى في سورة النور: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فكما أنه لا يفهم من التعليق بإرادة الإحصان جواز البغاء عند عدم إرادته فكذلك هنا، ومحل التوسع في فهم مثل هذه النصوص وغيرها كتب أصول الفقه.
4 -هناك اتجاه آخر في فهم الآية، هذا الاتجاه يقول: إن الآيات على ظاهرها وليس المراد بها صلاة السفر والمسافر، وإنما المراد بها بيان جواز قصر الصلاة والصلاة بالقدر المستطاع في حالة كون المسلم خائفا في قتال، أو وهو مطارد من قبل الكافرين، أو وهو يحتمل المطاردة، فإنه في هذه الحالة كلها يقصر، وقد اختلف في حدود هذا القصر، قال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة .. وقال جبير عن الضحاك: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه. وعلى هذا الاتجاه تكون الآية اللاحقة زيادة بيان للآية السابقة في تبيان حالة أخرى من حالات الصلاة في الخوف.
ولنعد إلى السياق: فقد رأينا أنه بمناسبة الكلام عن الهجرة ذكرت صلاة السفر، ولكن هذا الورود كان ضمن سياق القتال. وعلى هذا فإن الآية التالية تبين لنا صورة من صور الصلاة في القتال.