(ثَالِثُهَا) : أَنَّ السُّكْرَ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْغُوَاةُ لَا يُنَافِي فَهْمَ الْخِطَابِ ، وَهُوَ النَّشْوَةُ وَالسُّرُورُ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَفْهَمُ السَّكْرَانُ وَيَفْهَمُ وَيَصِحُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ الْخِطَابُ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْبِطُ أَعْمَالَهُ وَأَفْكَارَهُ وَأَقْوَالَهُ بِالتَّفْصِيلِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فَأَمَّا مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّكْرَانُ مِمَّا لَا يَقْصِدُ فَصَاحِبُهُ لَا يُخَاطَبُ فِيهِ ، وَهُوَ مَا عَرَّفَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ السَّكْرَانَ إِذْ قَالَ: إِنَّهُ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِلنَّهْيِ يُفِيدُ أَنَّ الْعِلْمَ بِمَا يَقُولُهُ الْإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ تِلَاوَةٍ وَذِكْرٍ وَاجِبٌ أَوْ شَرْطٌ ، وَالْعِلْمُ بِهِ فَهْمُهُ ; وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُهَا أَيْ إِلَى أَنْ يُحْسِنَهَا أَوْ يَعْجِزَ ، هَذَا هُوَ حَاصِلُ الْمَعْنَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ حَقِيقَتُهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَوْضِعُهَا فَالْمُرَادُ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ بُيُوتُ اللهِ عَنِ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْدُرَ مِنَ السَّكْرَانِ .