فصار المعنى: وإن خفتم أيها الولاة، والقضاة شقاقا بين زوجين فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها. أي: فابعثوا من أهله رجلا يصلح للحكومة والإصلاح بينهما، وابعثوا من أهلها رجلا كذلك. وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين أسكن إليهم، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. وما هي حدود صلاحية الحكمين؟ هل التوفيق فقط، أو التوفيق والتفريق. وإذا كان لهما التفريق، فما حدوده؟ قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين، إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر. وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع، وإن لم
يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكى عن الجمهور، أنه ينفذ قولهما فيها أيضا من غير توكيل.
قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة، أو بطلقتين، أو ثلاث، فعلا. وهو رواية عن مالك. ومذهب الحنفية: أن لهما الجمع لا التفريق.
وسبب الاختلاف يعود إلى أن الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان، وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟. على قولين.
والجمهور على الأول. وهو الجديد من مذهب الشافعي. إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما. الضمير في يريدا، للحكمين. وقيل للزوجين. والضمير في بينهما، للزوجين، وقيل للحكمين. والمعنى على الأول: إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. وإذا اعتبرنا الضميرين للحكمين، يكون المعنى: إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد، وإن اعتبرنا الضميرين للزوجين، كان المعنى: إن يريدا إصلاح ما بينهما، وطلبا الخير، وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة، ويبدلهما بالشقاق الوفاق، وبالبغضاء، المودة.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً عليما بإرادة الحكمين، خبيرا بالظالم من الزوجين.