ومن شواهد ما قلنا في من وتعلقها قوله سبحانه خبرا عن أهل الجنة إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين لما ذكر الفعل المنقضي وهو الإشفاق فلما ذكر الدعاء قال إنا كنا من قبل ندعوه بزيادة من لأن دعاءهم مستمر يقول سبحانه دعواهم فيها سبحانك اللهم وقال ولهم فيها ما يدعون فدعواهم وافتقارهم إلى الله مستمر في الآخرة وبدؤه من قبل
ثم إن الترك لا يتصور إلا بعد خروج التارك عن داره ووطنه وما دام بين أهله لا يقال ترك لهم كذا فكذا الميت إذا خرج بأكفانه وما يحتاج إليه من جهازه وذلك كله من ماله وحرمته حيا كحرمته ميتا فيما يجب من ستر عورته ونحو ذلك فعند ذلك يقول الناس ما ترك وتقول الملائكة ما قدم
فصل في فائدة الصفة في قوله وصية يوصي بها
وقوله يوصي بها في موضع الصفة للوصية والصفة تقيد الموصوف وفائدة
هذا التقييد أن يعلم أن للميت أن يوصي ولو قال من بعد وصية لتوهم أنها وصية غيره أو وصية الله المذكورة في أول الآية
وقال يوصي بها ولم يقل من بعد وصيته ولا من بعد الوصية التي يوصي بها ليدل على أن الوصية ندب وليست بفرض قد وجب عليه لأنك تقول في الأعمال الواجبة التي قد عرف وجوبها يكون كذا من بعد صلاتنا أو من بعد الصلاة وفيما لم يعرف وجوبه افعل كذا أو كذا من بعد صلاة نصليها أو صوم تصومه أو صدقة تخرجها فيدل لفظ التنكير على عدم الوجوب ويدل لفظ التعريف على الفرض المعروف لاسيما وقد تقدم أن الوصية كانت مفروضة بقوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الآية
فصل في سر تقديم الوصية على الدين
وقوله من بعد وصية يوصي بها أو دين وإخراج الدين لا شك قبل إخراج
الوصية وبعد الكفن لأن الغرماء في حياته لم يكن لهم سبيل على كفنه وما يجهز به وبدئ به في العمل قبل الوصية لأن أداءه فرض والفرض مقدم على الندب
فإن قيل لم بدأ الله بالوصية قبل ذكر الدين