وماذا كان بوسع علي - رضي الله عنه - أن يفعله، وقد ادلهمت الخطوب، وتجمعت عليه الفتن من كل حدب وصوب، وتفرقت الكلمة، فهؤلاء الصحابة الذين كان يمكن أن يقضي بهم على كل فتنة اجتهدوا بمنأى عنه في كيفية علاج الأمر، فتباين رأيهم عن رأيه؛ فكانت أم المؤمنين ومعها طلحة والزبير، وكان معاوية ومعه أهل الشام، وكان المعتزلون للفتنة مثل ابن عمر، هذا كله في جانب الصحابة الذين كان ينبغي عليهم أن يجتمعوا ويتحدوا مع علي ضد المتمردين من السبئية والخوارج... ومع كون الصحابة كلهم عدولا وأهدافهم وغاياتهم واحدة، فإنهم اجتهدوا كل جماعة منهم بمفردها بمعزل عن الأخرى.
أليس هؤلاء هم الصحابة الذين بهم وبمجهودهم وتعاونهم قضى أبو بكر على فتنة المرتدين؟! غير أن الأمر يومها كان جليا جلاء الشمس في رابعة النهار... أليس هؤلاء هم الصحابة الذين قاموا مع عمر وعثمان فوطدوا أركان الدولة المسلمة، ونشروا الدين وعمموا الفتوحات؟! هل كان بوسع أبي بكر أو عمر أو عثمان أن يفعلوا ما فعلوا بدون تعاون الصحابة معهم؟! كذلك كان على لا يقل كفاءة عن الخلفاء الثلاثة السابقين عليه ولكن الأمور في عهده اختلفت وصار وحيدا، لا يجد معاونة من الصحابة.