فهرس الكتاب

الصفحة 663 من 5466

ولا نظن أننا نغالي إذا قلنا أنهم عاشوا على أعتاب عالم الغيب وتمثلوه، وكأنه عالم مشاهد حاضر أمامهم يرونه ويعيشون فيه، فكانوا يتنافسون في طلب الشهادة للانتقال من الحياة الفانية إلى الحياة الباقية تحقيقًا للسعادة الأبدية عند ربهم - عز وجل - وها هو حارثة - رضي الله عنه - يسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كيف أصبحت يا حارثة؟) قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقا، قال: انظر ما تقول؟ فإن لكل قول حقيقة، قال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني بعرشه ربي - عز وجل - بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها، قال: (( الزم. عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه ) ). فقال: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة. فدعا له [6] رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنودي يومًا في الخيل، فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد. فأما درجة السابقين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها أحد وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر ) )وفي حديث آخر: (( إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ) )وقال علي: (( كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر ) )وفي الترمذي وغيره (( لو لم أبعث فيكم لبعث عمر، ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر ) )ومع هذا فالصديق أكمل منه، فإن الصديق كمل في تصديقه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يتلقى إلا عن النبي، والنبي معصوم، والمحدث - كعمر - يأخذنا أحيانا عن قلبه ما يلهمه ويحدث به، ولكن قلبه ليس معصومًا. فعليه أن يعرض ما ألقى عليه على ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن وافقه قبله، وإن خالفه رده. ولهذا قد رجع عمر عن أشياء، وكان الصحابة يناظرونه ويحتجون عليه، فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع إليها وترك ما رآه والصديق إنما يتلقى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا عن قلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت