و يمكن أن نقول إن معاوية رضي الله عنه كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه ، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم و ذكّرهم أنه ولي عثمان -ابن عمه - و قد قتل مظلومًا و قرأ عليهم الآية الكريمة {و من قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا } الإسراء/33
ثم قال: أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان ، فقام أهل الشام جميعهم و أجابوا إلى الطلب بدم عثمان ، و بايعوه على ذلك و أعطوه العهود و المواثيق على أن يبذلوا أنفسهم و أموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم . انظر: تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/150-152) .
فائدة ..
يقول ابن العربي: و لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إثارة الفتنة و تشتيت الكلمة . أحكام القرآن لابن العربي (4/1718) ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8/318) في تفسير سورة الحجرات .
و يناقش الإمام الباقلاني هذا الموضوع في التمهيد في الرد على الملحدة (ص 231) فيقول: و على أنه إذا ثبت أن عليًا ممن يرى قتل الجماعة بالواحد ، فلم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم ، و بأن يحضر أولياء الدم مجلسه و يطلبون بدم أبيهم و وليهم .. و إن قتل قتلة عثمان ، لا يؤدي إلى هرج عظيم و فساد شديد ، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه ، و إنّ تأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه و تقصّي الحق فيه أولى و أصلح للأمة و ألمّ لشعثهم و أنفى للفساد و التهمة عنهم .
و إن السياسة الحكيمة تقتضي ما كان ينادي به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من التريث و الأناة و عدم الاستعجال ؛ إذ إن الأمر يحتاج إلى وحدة الصف و الكلمة لإيجاد موقف موحد ، و مواجهة ذلك التحدي الذي يهدد مركز الخلافة ، بيد أن الخلاف في الرأي أضعف مركز الخلافة الجديد ، و قضى بالتالي على كل الآمال في نيل ثأر الخليفة المقتول .