والآن لنر ماذا كان موقف الأنصار تجاه أبي بكر - رضي الله عنه -؟ ذكرت جميع كتب التواريخ والسير أن جواب الأنصار كان ـ كما يروي ابن قتيبة ـ: [فقال الأنصار: والله ما نحسدكم على خير ساقه إليكم وإنا لكَمَا وصفتَ يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد من خلق الله تعالى أحبَّ إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلوجعلتم اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن يُعْدَل في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون بعضنا يتبع بعضا فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي. عندئذ قام أبوبكر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا إلى خلقه وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى يزعمون أنها شافعة لهم وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخُشُبًَا منجورة، فاقرؤوا إن شئتم"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون"،"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، وقالوا:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين - رضي الله عنهم - بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له، والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم، وكل الناس مخالف عليهم، زارٍ (1) عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده، لا ينازعهم فيها إلا ظالم،
(1) زارٍ لهم: أي عائب عليهم ومحقر لهم. (مت)