أيها الناس: للقلوب أمراض كما أن للأبدان أمراضًا، وأمراض القلوب أعصى من أمراض الأبدان، وهي أشد فتكًا بالإنسان؛ لأنها متعلقة بدينه، وتحدد مصيره في آخرته، ومن كان مريض القلب فزاده الله تعالى مرضا إلى مرضه بسبب صده عن سبيل الله تعالى فإنه من المنافقين أهل الدرك الأسفل من النار الذين قال الله تعالى فيهم ? فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ? [البقرة: 10] ? فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ? [الصف: 5] ومن أعظم أمراض القلوب التي تورد أصحابها المهالك في الدنيا والآخرة: الشبهات التي تعلق بالقلوب حتى يظن أصحابها أنهم على هدى وهم على ضلال، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم مخطئون، وما وقع في البدعة من وقع فيها من أهل الإسلام إلا بالشبهات والأهواء.
بل إن أول فتنة عظيمة وقعت في هذه الأمة نتجت عن شبهات داخلت قلوب أصحابها فأوردتهم المهالك في الدنيا، وعلقوا بسببها في رقابهم دم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، والله تعالى أعلم بعاقبتهم في الآخرة.
لقد نقموا على الخليفة ما نقموا، فركبهم أهل السوء والنفاق، ومبتغو الفتنة والشقاق، يلقون إليهم قالتهم، ويسيرونهم بشائعتهم، ويقذفون في قلوبهم شبهاتهم؛ حتى مكنوا من قلوبهم شبهات ما ردوها من بدايتها، ولا استفتوا فيها العلماء الراسخين في العلم من الصحابة وكبار التابعين، بل استسلموا لها، فتمكنت من قلوبهم، وعظمت بها نفوسهم، حتى تهيأوا للشر والفتنة فخرج بهم الرؤوس الظالمون في جيش كثيف على عثمان رضي الله عنه؛ يظهرون لهم الإصلاح، ويهتفون فيهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأحسنوا الظن بهم وما أحسنوا، وظنوا السوء بخليفتهم وبئس ما ظنوا، فكانوا أهل المنكر والفتنة والفساد.
لقد حسبوا أنهم بصنيعهم هذا للإسلام ينصرون، وفي البلاد يصلحون، ولله تعالى يتقربون، وهم المفسدون ولكن أكثرهم لا يعلمون.