فهرس الكتاب

الصفحة 2250 من 5466

فيقال: هذا النقل فيه من الجهل والتحريف ما لا يخفى على من يعلم السيرة؛ فإن النبي (أرسله إليهم بعد فتح مكة ليسلموا، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك منهم، وقال: إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة، كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولما بلغ ذلك النبي (رفع يديه إلى السماء وقال:(( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) ). لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان. وقد قال تعالى: {َفإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (1) ، ثم أرسل عليًّا، وأرسل معه مالا، فأعطاهم نصف الديات، وضمن لهم ما تلف حتى مِيلَغَة الكلب، ودفع إليهم ما بقي احتياطا لئلا يكون بقي شيء لم يعلم به.

ومع هذا فالنبي صلى الله لم يعزل خالدا عن الإمارة، بل ما زال يؤمّره ويقدّمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أوذنب أُمر بالرجوع عن ذلك، وأُقرّ على ولايته، ولم يكن خالدا معاندًا للنبي (، بل كان مطيعا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفى عليه حكم هذه القضية.

ويُقال: إنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، وكان ذلك مما حرّكه على قتلهم. وعليّ كان رسولا في ذلك.

وأما قوله: (( إنه أمره أن يسترضى القوم من فعله ) ).

فكلامُ جاهل؛ فإنما أرسله لإنصافهم وضمان ما تلف لهم، لا لمجرد الاسترضاء.

وكذلك قوله عن خالد: (( إنه خانه وخالف أمره وقتل المسلمين ) ).

كذب على خالد؛ فإن خالدا لم يتعمد خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مخالفة أمره، ولا قتل من هومسلم معصوم عنده، ولكنه أخطأ كما أخطأ أسامة بن زيد في الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، وقتل السرية لصاحب الغنَيمْةَ الذي قال: أنا مسلم، فقتلوه وأخذوا غنمه.

(فصل)

(1) الآية 216 من سورة الشعراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت