ويُقال ثالثًا: هبْ أنَّ أحدًا من الصحابة - عائشة أو غيرها - قال في ذلك على وجْه الغضب؛ لإنكاره بعضَ ما يُنكر، فليس قولُه حُجة، ولا يَقْدح ذلك في إيمان القائل ولا المقول له، بل قد يكون كلاهما وليًّا لله - تعالى - مِن أهْل الجنة، ويظنُّ أحدُهما جوازَ قتْلِ الآخر، بل يظنُّ كفْرَه، وهو مُخْطِئ في هذا الظنِّ.
ويُقال رابعًا: إنَّ هذا المنقول عن عائشة من القدْح في عثمان إنْ كان صحيحًا، فإمَّا أنْ يكون صوابًا أو خطَأً، فإنْ كان صوابًا، لم يُذْكرْ في مساوئ عائشة، وإنْ كان خطَأًلم يُذْكَر في مساوئ عثمان، والجمْعُ بين نقْص عائشة وعثمان باطلٌ قطعًا.
وأيضًا فعائشة ظهَرَ منها - مِن التألُّم لقتْل عثمان، والذمِّ لقَتَلَته، وطلبِ الانتقام منهم - ما يَقتضي الندمَ على ما يُنافي ذلك إنْ وجِد، كما ظهَرَ منها الندمُ على مَسيرها إلى"الجَمَل"، فإنْ كانَ نَدَمُها على ذلك يدلُّ على فضيلة عَلِيّ واعترافها له بالحقِّ، فكذلك هذا يدلُّ على فضيلة عثمان واعترافِها له بالحقِّ، وإلاَّ فلا.
وأيضًا فما ظهَرَ من عائشة وجمهور الصحابة، وجمهور المسلمين من الملام لعليّ أعظمُ مما ظهَرَ منهم من الملام لعثمان، فإنْ كان هذا حُجَّة في لوم عثمان، فهو حُجة في لوم عليّ، وإنْ لم يكنْ حُجةً في لوم عليّ، فليس حجةً في لوم عثمان، وإنْ كان المقصودُ بذلك القدْحَ في عائشة، لما لامتْ عثمان وعليًّا؛ فعائشة في ذلك مع جمهور الصحابة، وإنِ اختلفتْ درجات الملام.
وأمَّا قولُه:"إنْها سألتْ: مَن تولَّى الخلافة؟ فقالوا: عليّ، فخرجتْ لقِتاله على دمِ عثمان، فأيُّ ذنبٍ كان لعليّ في ذلك؟"