قيل: قد تقدم إن أول ما يعرض من حديث النفس السابح ثم الخاطر ، ثم الإرادة والهم ، ثم العزم وأن السابح والخاطر متجافي عنهما بكل وجه وأنه متى صار نية ، فذلك عمل مأخوذ به وعلى هذا قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ، وألهمه متى كانت من وسوسة الشيطان وتصدي الإنسان لدفعها وقمعها فهو المتجافي عنها بل هو الموعود بالإثابة على دفاعها ، حيث قال عليه الصلاة والسلام:"جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم"، ومتى كانت نفس وإجماع من النفس ، فذلك فعل منه ، ولذلك قال بعض الصالحين:"عليكم"
بحفظ الهمة ، فإنها أول ما تظهر من الإنسان وهي تقدمة الأشياء"وقال عليه الصلاة والسلام:"لينظر أحدكم ما يتمنى ، فإنه لا يدري ما كتب له"ومن تصور هذه الجملة علم أن قول من قال هذه الآية منسوخة بقوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وجعل علة النسخ أن حديث النفس وما يهجس فيها غير مقدور على صرفه ، فإنما استعمل لفظ النسخ فِي معنى التخصيص ، فأما أنه أمر بما لا يقدر عليه ثم نسخ ، فمجال وعلى هذا ما روي أنه قيل لابن عباس إن ابن عمر يبكي لقوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} فقال ابن عباس:"رحم الله ابن عمر ، لقد وجد المسلمون منها ما وجدوا"حتى نزل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، فإنه عنى أن هذه الآية مخصصة ومبينة للأولى ونبه بقوله: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ} على سعة قدرته وعدله وفضله ثم من الذي يغفر له والذي لا يغفر له لا يعقل من ظاهر الآية."
قوله - عز وجل: