مَاتُوا; لِأَنَّ أَمْرَ التَّكْوِينِ عِبَارَةٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُهُ ، وَلِلِاسْتِغْنَاءِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِحْيَاءُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْكَلَامُ فِي الْقَوْمِ لَا فِي أَفْرَادٍ لَهُمْ خُصُوصِيَّةٌ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ الَّتِي تَجْبُنَ فَلَا تُدَافِعُ الْعَادِينَ عَلَيْهَا ، وَمَعْنَى حَيَاةِ الْأُمَمِ وَمَوْتِهَا فِي عُرْفِ النَّاسِ جَمِيعِهِمْ مَعْرُوفٌ ، فَمَعْنَى مَوْتِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ هُوَ أَنَّ الْعَدُوَّ نَكَّلَ بِهِمْ فَأَفْنَى قُوَّتَهُمْ ، وَأَزَالَ اسْتِقْلَالَ أُمَّتِهِمْ ، حَتَّى صَارَتْ لَا تُعَدُّ أُمَّةً ، بِأَنْ تَفَرَّقَ شَمْلُهَا ، وَذَهَبَتْ جَامِعَتُهَا ، فَكُلُّ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَفْرَادِهَا خَاضِعِينَ لِلْغَالِبِينَ ضَائِعِينَ فِيهِمْ ، مُدْغَمِينَ فِي غِمَارِهِمْ ، لَا وُجُودَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّمَا وُجُودُهُمْ تَابِعٌ لِوُجُودِ غَيْرِهِمْ ، وَمَعْنَى حَيَاتِهِمْ هُوَ عَوْدُ الِاسْتِقْلَالِ إِلَيْهِمْ; ذَلِكَ أَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ يُصِيبُ النَّاسَ ، أَنَّهُ يَكُونُ تَأْدِيبًا لَهُمْ ، وَمُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ مِمَّا عَرَضَ لَهَا مِنْ دَنَسِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ ، أَشْعَرَ اللهُ أُولَئِكَ الْقَوْمَ بِسُوءِ عَاقِبَةِ الْجُبْنِ وَالْخَوْفِ وَالْفَشَلِ وَالتَّخَاذُلِ بِمَا أَذَاقَهُمْ مِنْ مَرَارَتِهَا ، فَجَمَعُوا كَلِمَتَهُمْ ، وَوَثَّقُوا رَابِطَتَهُمْ ، حَتَّى عَادَتْ لَهُمْ وَحْدَتُهُمْ قَوِيَّةً فَاعْتَزُّوا وَكَثُرُوا إِلَى أَنْ خَرَجُوا مِنْ ذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا إِلَى عِزِّ الِاسْتِقْلَالِ ، فَهَذَا مَعْنَى حَيَاةِ الْأُمَمِ