إنهم يريدون الوجاهة والغنى. وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم ، لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم فِي الحرب. إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ولصالحهم ، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم ؟ شيء آخر نفهمه من قولهم:"أنى يكون له الملك علينا"، إن طالوت هذا لم يكن من الشخصيات المشار إليها ؛ فمن العادة حين يحزب الأمر فِي جماعة من الجماعات أن تفكر فيمن يقود ، فعادة ما يكون هناك عدد من الشخصيات اللامعة التي يدور التفكير حولها ، وتظن الجماعة أنه من الممكن أن يقع على واحد منهم الاختيار ، وكان اختيار السماء لطالوت على عكس ما توقعت تلك الجماعة. لقد جاء طالوت من غمار القوم بدليل أنهم قالوا:"أنى يكون له الملك"أي لم يؤت الملك من قبل.
ولقد كانوا ينتمون إلى نسلين: نسل أخذ النبوة وهو نسل بنيامين ، ونسل أخذ الملوكية وهو نسل لاوي بن يعقوب. فلما قال لهم:"إن الله بعث لكم طالوت ملكا"، بدأوا يبحثون عن صحيفة النسب الخاصة به فلم يجدوه منتميا لا لهذا ولا لذاك ، ولذلك قالوا: ""أنى يكون له الملك علينا". وهذا يدلنا على أن الناس حين يريدون وضعا من الأوضاع لا يريدون الرجل المناسب للموقف ، ولكن يريدون الرجل المناسب لنفوسهم ، بدليل قولهم: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه". وهل الملك يأتي غطرسة أو كبرياء ؟ وما دام طالوت رجلا من غمار الناس فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضع قضية كل مؤمن وهي أنك حين تريد الاختيار فإياك أن يغشك حسب أو نسب أو جاه ، ولكن اختر الأصلح من أهل الخبرة لا من أهل الثقة. لقد تناسوا أن القضية التي طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين: رجل جسيم ورجل عليم ، والله اختار لهم طالوت رجلا سيما وعليما معا."