ثم يدعي هؤلاء المتصوفة بغض الدنيا، فلا يفهمون ما الذي ينبغي أن يبغض.
ويرون زيادة الطلب للمال حرصاً وشرهاً.
وفي الجملة إنما اخترعوا بآرائهم طريقاً فيها شيء من الرهبانية إذا صدقوا.
وشيء من البهرجة إذا نصبوا شباك الصيد بالتزهد فسموا ما يصل إليهم من الأرزاق فتوحاً.
قال ابن قتيبة في غريب الحديث عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: واليد العليا.
قال: هي المعطية.
قال فالعجب عندي من قوم يقولون هي الآخذة.
ولا أرى هؤلاء القوم إلا قوماً استطابوا السؤال، فهم يحتجون للدناءة.
فأما الشرائع فأنها بريئة من حالهم، وفي الحديث: ضاق البلد بمواشي إبراهيم ولوط عليهما السلام فافترقا.
وكان شعيب عليه السلام كثير المال. ثم قد ند طمعه في زيادة الأجر من موسى عليه السلام فقال: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} .
وكان ابن عقيل رحمه الله يقول: من قال إني لا أحب الدنيا فهو كذاب.
فإن يعقوب عليه السلام لما طلب منه ابنه بنيامين قال: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ} . فقالوا: {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} ؛ فقال: خذوه.
وقال بعض السلف: من ادعى بغض الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقه، فإذا ثبت صدقه فهو مجنون.
وقد نفر جماعة من المتصوفة خلقاً من الخلق عن الكسب، وأوحشوا بينهم وبينه، وهو دأب الأنبياء والصالحين.
وإنما طلبوا طريق الراحة وجلسوا على الفتوح.
فإذا شبعوا رقصوا؛ فإذا انهضم الطعام أكلوا.
فإذا لاحت لهم حيلة على غني أوجبوا عليه دعوة، إما بسبب شكر أو بسبب استغفار.
وأطم الطامات ادعاؤهم أن هذا قربة.
وقد انعقد إجماع العلماء أن من ادعى الرقص قربة إلى الله تعالى كفر.
فلو أنهم قالوا مباح كان أقرب حالاً، وهذا لأن القرب لا تعرف إلا بالشرع، وليس في الشرع أمر بالرقص ولا ندب إليه.
ولقد بلغني عن جماعة منهم أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه المردان وينظرون إليهم، فإذا سئلوا عن ذلك سخروا بالسائل فقالوا: نعتبر بخلق الله!!!.
أفتراهم أقوى من النبي صلى الله عليه وسلم حين أجلس الشاب الذي وفد عليه من وراء ظهره وقال: وهل كانت فتنة داود إلا من النظر؟.
هيهات! لقد تملك الشيطان تلك الأزمة فقادها إلى ما أراد.
والعجب ممن يذم الدنيا وهو يأكل فيشبع، ولا ينظر من أين المطعم.
وما زال صالحوا السلف يفتشون على المطعم حتى كان إبراهيم بن أدهم يسهر هو وأصحابه ويقولون مع من نعمل غداً.