وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ} يَعْنِي عِظَمَ الصَّحَابَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهِ سَيَفْتَحُ الْبِلَادَ بِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَرَجَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُحِبَّ أَبُو عُبَيْدَةَ الْخُرُوجَ مِنْ الشَّامِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ وَهُوَ بِهَا قَالَ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا حَظًّا مِنْهُ وَلَمَّا طُعِنَ فِي كَفِّهِ أَخَذَ يُقَبِّلُهَا وَيَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي بِهَا كَذَا وَكَذَا وَقَالَ: لَئِنْ كُنْت صَغِيرًا فَرُبَّ صَغِيرٍ يُبَارِكُ اللَّهُ فِيهِ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، يَتَمَنَّى الطَّاعُونَ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا أُمَّتَهُ الَّذِينَ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِمْ الْبِلَادَ وَيُظْهِرُ بِهِمْ الْإِسْلَامَ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّنَاسُخِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَمَاتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، فَكَذَلِكَ يُحْيِيهِمْ فِي الْقَبْرِ وَيُعَذِّبُهُمْ إذَا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 2 صـ 146 - 166}