كان الحسن بن علي رضي الله عنهما مطلاقاً ومنكاحاً، ووجه ذات يوم بعض أصحابه لطلاق أمرأتين من نسائه وقال: قل لهما اعتدا، وأمره أن يدفع إلى كل واحدة عشرة آلاف درهم، ففعل، فلما رجع إليه قال: ماذا فعلتا؟ قال أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست، وأما الأخرى فبكت وانتحت وسمعتها تقول: متاع قليل من حبيب مفارق فأطرق الحسن وترحم لها وقال: لو كنت مراجعاً امرأةً بعد ما فارقتها لراجعتها، ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - فقيه المدينة ورئيسها - ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة رضي الله عنها حيث قالت لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشراً ذكراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: فدخل عليه الحسن فِي بيته، فعظمه عبد الرحمن وأجلسه فِي مجلسه وقال: ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك، فقال: الحاجة لنا. قال: وما هي؟ قال جئتك خاطباً ابنتك، فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال: والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها، وأنت مطلاق، فأخاف أن تطلقها، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي فِي محبتك وأكره أن يتغير قلبي عليك، فأنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك، فسكت الحسن وقام وخرج وقال بعض أهل بيته. سمعته وهو يمشي ويقول: ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً فِي عنقي. وكان علي رضي الله عنه يضجر من كثرة تطليقه، فكان يعتذر منه على المنبر ويقول فِي خطبته، إن حسناً مطلاقاً فلا تنكحوه، حتى قام رجل من همدان فقال: والله يا أمير المؤمنين لننكحه ما شاء، فإن أحب أمسك وإن شاء ترك، فسر ذلك علياً وقال:
لو كنت بواباً على باب الجنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام