فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: لَا تَجْعَلُوا اللَّهً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ، وَحُجَّةً لِأَنْفُسِكُمْ فِي أَقْسَامِكُمْ فِي أَنْ لَا تَبَرُّوا، وَلَا تَتَّقُوا، وَلَا تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا لَغَتْهُ أَلْسِنَتُكُمْ مِنْ أَيْمَانِكُمْ، فَنَطَقَتْ بِهِ مِنْ قَبِيحِ الْأَيْمَانِ وَذَمِيمِهَا، عَلَى غَيْرِ تَعَمُّدِكُمُ الْإِثْمَ وَقَصْدِكُمْ بِعَزَائِمِ صُدُورِكُمْ إِلَى إِيجَابِ عَقْدِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفْتُمْ بِهَا، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ عَقْدَ الْيَمِينِ وَإِيجَابِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَعَزَمْتُمْ عَلَى الْإِتْمَامِ عَلَى مَا حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ بِقَصْدٍ مِنْكُمْ وَإِرَادَةٍ، فَيَلْزَمُكُمْ حِينَئِذٍ إِمَّا كَفَّارَةٌ فِي الْعَاجِلِ، وَإِمَّا عُقُوبَةٌ فِي الْآجِلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} عِبَادَهُ أَنَّهُ مُؤَاخِذُهُمْ بِهِ بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} مَا تَعَمَّدَتْ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَعْنَى الَّذِي أَوْعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ مُؤَاخَذَتَهُمْ بِهِ هُوَ حَلِفُ الْحَالِفِ مِنْهُمْ عَلَى كَذِبٍ، وَبَاطِلٍ.
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «إِذَا حَلَفَ الرَّجُلَ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ وَهُوَ كَاذِبٌ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَإِذَا حَلَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، فَذَاكَ الَّذِي يُؤَاخَذُ بِهِ»
وعَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «لَا تُؤَاخَذُ حَتَّى تَقْصِدَ الْأَمْرَ ثُمَّ تَحْلِفُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَعْقِدَ عَلَيْهِ يَمِينَكَ»
وَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فِي الْآخِرَةِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَأَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ الْحَالِفَ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي هِيَ لَغْوٌ.