فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 450608 من 466147

(فصل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)

من العجيب سلامة دين ذي العيال إذا ضاق به الكسب، فما مثله إلا كمثل الماء إذا ضرب في وجهه سكر، فإنه يعمل باطناً ويبالغ حتى يفتح فتحة.

فكذلك صاحب العيال إذا ضاق به الأمر لا يزال يحتال، فإذا لم يقدر على الحلال ترخص في تناول الشبهات، فإن ضعف دينه مد يده إلى الحرام.

فالمؤمن إذا علم ضعفه عن الكسب اجتهد في التعفف عن النكاح، وتقليل النفقة إذا حصل الأولاد، والقناعة باليسير.

فأما من ليس له كسب كالعلماء والمتزهدين، فسلامتهم ظريفة، إذ قد انقطعت موارد السلاطين عنهم ومراعاة العوام لهم، فإذا كثرت عائلتهم لم يؤمن عليهم شر ما يجري على الجهال.

فمن قدر منهم على كسب بالنسخ وغيره فليجتهد فيه مع تقليل النفقة والقناعة باليسير.

فإنه من ترخص منهم اليوم أكل الحرام، لأنه يأخذ من الظلمة خصوصاً بحجة التنمس والتزهد.

ومن كان له منهم مال فليجتهد في تنميته وحفظه، فما بقي من يؤثر ولا من يقرض.

وقد صار الجمهور بل الكل كأنهم يعبدون المال، فمن حفظه حفظ دينه.

ولا يلتفت إلى قول الجهلة الذين يأمرون بإخراج المال، فما هذا وقته.

واعلم أنه إذا لم يجتمع الهم، لم يحصل العلم ولا العمل ولا التشاغل بالفكر في عظمة الله.

وقد كان هم القدماء يجتمع بأشياء جمهورها أنه كان لهم من بيت المال نصيب في كل عام.

وكان يصلهم فيفضل عنهم.

وفيهم من كان له مال يتجر به كسعيد بن المسيب وسفيان وابن المبارك وكان همه مجتمعاً، وقد قال سفيان في ماله: لولاك لتمندلوا بي!!.

وفقدت بضاعة لابن المبارك فبكى وقال: هو قوام ديني.

وكان جماعة يسكنون إلى عطاء الإخوان الذين لا يمنون.

وكان ابن المبارك يبعت إلى الفضل وغيره، وكان الليث بن سعد يتفقد الأكابر، فبعث إلى مالك ألف دينار، وإلى ابن لهيعة ألف دينار، وأعطى منصور ابن عمار ألف دينار وجارية بثلاثمائة دينار.

وما زال الزمان على هذا إلى أن آل الأمر إلى انمحاق ذلك، فقلت عطايا السلاطين، وقل من يؤثر من الإخوان.

إلا أنه كان في ذلك القليل ما يدفع عض الزمان.

فأما زماننا هذا، فقد انقبضت الأيدي كلها، حتى قل من يخرج الزكاة الواجبة، فكيف يجتمع هم من يريد من العلماء والزهاد أن يعمل همه ليلاً ونهاراً في وجوه الكسب وليس من شأنه هذا ولا يهتدي له.

فقد رأينا الأمر أحوج إلى التعرض للسلاطين والترخص في أخذ ما لا يصلح، وأحوج المتزهدين إلى التصنع لتحصيل الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت